علي الفاضل القائيني النجفي
54
علم الأصول تاريخا وتطورا
وهكذا يخرج الاسترآبادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معيارا أساسيا لتمييز قيمة المعرفة ومدى امكان الوثوق بها . ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوح اتجاها حسّيا في أفكار المحدث الاسترآبادي يميل به إلى المذهب الحسّي في نظرية المعرفة القائل بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة ، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الاسلامي أحد المسارب منها الاتجاه الحسّي إلى تراثنا الفكري . وقد سبقت الأخبارية بما تمثل من اتجاه حسّي التيار الفلسفي الحسّي الذي نشأ في الفلسفة الأوربية على يد « جون لوك » المتوفى سنة ( 1704 ) م و « دانيد هيوم » المتوفى سنة ( 1776 ) م ، فقد كانت وفاة الاسترآبادي قبل وفاة « جون لوك » بمائة سنة تقريبا ، ونستطيع أن نعتبره معاصرا ل « فرنسيس بيكون » المتوفى سنة ( 1626 ) م الذي مهّد للتيار الحسّي في الفلسفة الأوربية . وعلى أيّ حال فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسيّة والتجريبية في الفلسفة الأوروبية ، فقد شنّت جميعا حملة كبيرة ضدّ العقل ، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ . وقد أدّت حركة المحدث الاسترآبادي ضدّ المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس إلى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفات الحسّية في تاريخ الفكر الأوروبي ، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوة بحكم اتجاهها الخاطئ إلى معارضة كلّ الأدلة العقلية التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود اللّه سبحانه ، لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحسّ . فنحن نجد مثلا محدثا - كالسيد نعمة اللّه الجزائري - يطعن في تلك الأدلة بكلّ صراحة وفقا لا تجاهه الأخباري ، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفيّة ، ولكن ذلك لم يؤد بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسية الأوروبية ، لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كلّ منهما ، فانّ الاتجاهات الحسيّة والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وابراز أهميتها ، فكان لديها الاستعداد لنفي كلّ معرفة عقلية منفصلة عن الحسّ .